علي بن محمد البغدادي الماوردي

290

أدب الدنيا والدين

الموزون ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور لم يعبك بترك ذلك أحد وإذا أنت تكلفتهما ولم تكن حاذقا فيهما عابك من أنت أقل عيبا منه وأزرى « 1 » عليك من أنت فوقه . وأما المناسبة فهي أن يكون المعنى يليق ببعض الألفاظ إما لعرف مستعمل أو لاتفاق مستحسن حتى إذا ذكرت تلك المعاني بغير تلك الألفاظ كانت نافرة عنها وإن كانت أفصح وأوضح لاعتياد ما سواها . وقال بعض البلغاء : لا يكون البليغ بليغا حتى يكون معنى كلامه اسبق إلى فهمك من لفظه إلى سمعك . وأما معاطاة الأعراب وتجنب اللحن فإنما هو من صفات الصواب والبلاغة أعلى منه رتبة وأشرف منزلة وليس لمن لحن في كلامه مدخل في الأدباء فضلا عن أن يكون في عداد البلغاء . واعلم أن للكلام آدابا إن أغفلها المتكلم أذهب رونق كلامه وطمس بهجة بيانه ولها الناس عن محاسن فضله بمساوئ أدبه فعدلوا عن مناقبه بذكر مثالبه . فمن آدابه أن لا يتجاوز في مدح ولا يسرف في ذم وإن كانت النزاهة عن الذّم كرما والتجاوز في المدح ملقا يصدر عن مهانة والسرف في الذم انتقام يصدر عن شرّ وكلاهما شين وان سلم من الكذب . يروى أنه لما قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد تميم سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عمرو بن الأهتم « 2 » عن قيس بن عاصم فمدحه فقال قيس : واللّه يا رسول اللّه لقد علم أني خير مما وصف ولكن حسدني فذمه عمرو وقال : يا رسول اللّه لقد صدقت في الأولى وما كذبت في الأخرى لأني رضيت في الأولى فقلت أحسن ما علمت وسخطت في الأخرى فقلت أقبح ما علمت فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن من البيان لسحرا » على أن السلامة من الكذب في المدح والذم متعذرة لا سيما إذا مدح تقرّبا وذم تحنقا . وحكي عن الأحنف بن قيس أنه قال : سهرت ليلتي أفكر في كلمة أرضى بها سلطاني ولا أسخط بها ربي فما

--> ( 1 ) وأزرى عليك : أي حقرك متعاظما عليك . ( 2 ) ابن الأهتم : من أكابر سادات بني غيم وشعرائهم وخطبائهم في الجاهلية والإسلام ، وهو بليغ القول ، طلق العبارة وقد دخل هو والزبرقان بن بدر على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكان يكرمهما .